مركز الثقافة والمعارف القرآنية
440
علوم القرآن عند المفسرين
وذكر فيها من مخاطبة للكفار بمكة ، ما يبين ذلك بقوله : قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيراً « 1 » فعم بأمره له أن يخبر بالخبر جميع الخلق معجزا لهم ، قاطعا بأنهم إذا اجتمعوا كلهم ، لا يأتون بمثل هذا القرآن ، ولو تظاهروا وتعاونوا على ذلك ، وهذا التحدي والدعاء ، هو لجميع الخلق ، وهذا قد سمعه كل من سمع القرآن ، وعرفه الخاص والعام ، وعلم مع ذلك أنهم لم يعارضوه ولا أتوا بسورة مثله ، ومن حين بعث ، وإلى اليوم ، الأمر على ذلك ، مع ما علم من أن الخلق كلهم كانوا كفارا قبل أن يبعث ، ولما بعث إنما تبعه قليل . وكان الكفار من أحرص الناس على إبطال قوله ، مجتهدين بكل طريق يمكن . تارة يذهبون إلى أهل الكتاب فيسألونهم عن أمور من الغيب ، حتى يسألوه عنها ، كما سألوه عن قصة يوسف ، وأهل الكهف ، وذي القرنين كما تقدم . وتارة يجتمعون في مجمع بعد مجمع على ما يقولونه فيه ، وصاروا يضربون له الأمثال ، فيشبهونه بمن ليس بمثله لمجرد شبه ما ، مع ظهور الفرق . فتارة يقولون : مجنون . وتارة يقولون : ساحر . وتارة يقولون : كاهن . وتارة يقولون : شاعر . إلى أمثال ذلك من الأقوال ، التي يعلمونها ، هم وكل عاقل سمعها أنها افتراء عليه . فإذا كان قد تحداهم بالمعارضة ، مرة بعد مرة . وهي تبطل دعوته ، فمعلوم أنهم لو كانوا قادرين عليها ، لفعلوها ، فإنه - مع وجود هذا الداعي التام المؤكد - إذا كانت القدرة حاصلة ، وجب وجود المقدور ، ثم هكذا القول في سائر أهل الأرض . فهذا القدر ، يوجب علما بيّنا لكل أحد يعجز عن جميع أهل الأرض ، عن أن يأتوا بمثل هذا القرآن ، بحيلة وبغير حيلة ، وهذا أبلغ من الآيات التي يكرر جنسها كإحياء الموتى ، فان هذا لم يأت أحد بنظيره . وجه إعجاز القرآن : وكون القرآن أنه معجزة ، ليس هو من جهة فصاحته وبلاغته فقط ، أو نظمه وأسلوبه فقط ، ولا من جهة إخباره بالغيب فقط ، ولا من جهة صرف الدواعي عن معارضته فقط ،
--> ( 1 ) سورة الإسراء : الآية 88 .